في زمن صارت فيه الخوارزميات ترافق تفاصيل حياتنا اليومية، لم يعد حضورها مقتصرًا على التسوق أو الترفيه أو حتى العلاقات العاطفية. بهدوء، بدأت هذه الأنظمة تتسلل إلى مجال أكثر حساسية وخصوصية: علاقات الصداقة. ومع انتشار تطبيقات تقترح معارف جدد بناءً على البيانات، يبرز تساؤل مشروع: هل يمكن للتقنية أن تؤثر فيمن نصادق، أو حتى فيمن يصبح الأقرب إلينا؟


انتقال الفكرة من الحب إلى الصداقة

انطلقت الخوارزميات الاجتماعية من عالم المواعدة، حيث تُحلَّل الاهتمامات والميول وأنماط التفاعل للبحث عن “توافق” محتمل. ومع الوقت، وُظِّفت الآلية نفسها في منصات تهدف إلى تكوين صداقات، خصوصًا لمن انتقلوا إلى مدن جديدة أو يبحثون عن أشخاص يشاركونهم الهوايات ونمط الحياة.

تعتمد هذه التطبيقات عادة على:

  • الاهتمامات والأنشطة المشتركة.
  • أسلوب التواصل والتفاعل الرقمي.
  • البيئة المعيشية والإيقاع اليومي للحياة.

ومن خلال هذه العناصر، تُقدَّم اقتراحات يُفترض أنها تزيد فرص الانسجام.


كيف ترى الخوارزمية مفهوم الصداقة؟

لا تتعامل الخوارزميات مع الصداقة بوصفها علاقة إنسانية معقدة، بل باعتبارها أنماطًا قابلة للتحليل. فهي تراقب التكرار، والتشابه، ومستوى التفاعل، ثم تستنتج احتمالات التقارب. لكن هذا المنطق يظل قاصرًا عن فهم أمور مثل الكيمياء الإنسانية، أو اللحظات المشتركة، أو التقارب الذي يولد فجأة دون مقدمات.

وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل يمكن اختزال الصداقة في بيانات وسلوكيات رقمية؟


ما الذي قد تكسبه من هذه التطبيقات؟

لا يمكن إنكار أن لهذه الأدوات جوانب إيجابية، منها:

  • تسهيل التعارف على أشخاص جدد، خاصة لمن يعانون ضيق الدوائر الاجتماعية.
  • مساعدة القادمين إلى بيئات جديدة على بناء علاقات بسرعة.
  • جمع أشخاص تجمعهم اهتمامات دقيقة قد يصعب العثور عليها بالصدفة.

في هذه الحالة، تؤدي الخوارزمية دور الوسيط لا البديل.


حدود التجربة الرقمية

في المقابل، تظهر مخاوف عدة، من أبرزها:

  • تحويل الصداقة إلى عملية اختيار محسوبة تفقدها عفويتها.
  • حصر العلاقات داخل دوائر متشابهة فكريًا واجتماعيًا.
  • الاعتماد على الترشيح التقني بدل المبادرة والتجربة المباشرة.

كثير من الصداقات العميقة وُلدت من مواقف عابرة لا يمكن لأي نظام التنبؤ بها.


من يختار في النهاية؟

لا تختار الخوارزميات أصدقاءنا بشكل مباشر، لكنها تؤثر في فرص اللقاء وتحدد من يظهر لنا ومن يبقى خارج نطاق رؤيتنا. أما القرار الحقيقي، واستمرار العلاقة أو تحوّلها إلى صداقة عميقة، فيبقى شأنًا إنسانيًا خالصًا.


تعكس الصداقات المدفوعة بالخوارزميات ملامح عصر تتقاطع فيه التقنية مع أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية. وبين ما تمنحه من فرص وما تفرضه من قيود غير مرئية، يظل التحدي الأكبر هو الحفاظ على روح الصداقة كما عرفها الإنسان دائمًا: علاقة تنمو بالتجربة، لا بالمعادلات، وبالصدق، لا بالتوقعات الرقمية.

المنشور السابق المنشور التالي